يوسف القرضاوي

يوسف القرضاوي*

 

مقدمة

عندما طُلب مني أن تكون لي كلمة عن حدود حرية التعبير في الإسلام، للمشاركة في ورشة عمل بعنوان: السياسة والأخلاق، التي يعقدها مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، التابع لكلية الدراسات الإسلامية، بجامعة حمد بن خليفة، في قطر: حمدت للإخوة القائمين على هذا الملتقى هذا التوجه، وشكرت لهم هذه الدعوة، التي جاءت في وقتها، لتدافع عن الإسلام الذي رماه أعداؤه بكل نقيصة، وحاولوا أن يطمسوا معانيه وتعاليمه، وقيمه وأصوله، حتى في خصائصه البارزة، ومعالمه الواضحة، مثل قاعدة: حرية التعبير، وهي جزء من مبدأ الحرية العام الذي تميز به الإسلام. بينما سار بعض تلامذتهم من أبناء المسلمين في دربهم، واقتفوا آثارهم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه؛ كما صور ذلك نبي الإسلام، صلوات الله وسلامه عليه[1].

ووقف آخرون من ضعاف الثقافة الإسلامية، وبعضهم من أرباب التكوين الشرعي العائم المهتز، في خندق الضعفاء، الذين يجهلون مبادئ دينهم، ولا يعيشون معالمه، فأثرت فيهم الشبهات، وانطلت عليهم تلك الأراجيف، فصاروا يبحثون عن جحر يختبئون فيه، وزاوية يتوارون خلفها. ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:4].

وأجد على النقيض من ذلك، من ظنوا الحرية فرساً جامحة، تندفع بمن يركبها يمنة ويسرة، بلا خطام أو زمام، لا تعرف القيد أو تألفه، ولا تمارس التروي أو تعهده، وكأن الحرية عندهم: ما أرادوا، وكيفما أرادوا، لا يبالون بتضارب الحريات، ولا يعبؤون بخلاف الأيديولوجيات.

أقول: لذلك جاء هذا الملتقى في موعده، لنبين موقف الإسلام من حرية التعبير، أو قل: الرأي: حدودها وآفاقها، فرديها وجماعيها، مباحها ومحظورها، نافعها وضارها؛ تعبيراً عن ذلك الدين الذي ارتضى لأمته (الوسطية) في كل شيء، بلا إفراط أو تفريط، وارتضى لأتباعه روح الحقيقة بلا مواربة أو مواراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:43].

 

القرآن الكريم لم يصادر الآراء

لم يصادر الإسلام رأياً، وإن خالف أصوله ومبادئه، ولا كمم الأفواه وإن نطقت بما يعارض أسسه ومقوماته، وإنما واجه هذه الآراء بقوة المنطق، وسداد الحجة، ونصاعة البرهان، لذا نجد القرآن الكريم يعرض حجج مخالفيه، دون بتر أو اجتزاء، ثم يحللها، مفنداً مضمونها، مبيناً مغالطات أصحابها.

فهذا النمرود الذي ادعى الربوبية، يفسح له القرآن الكريم الفرصة ليعلن ما يناقض أصول الإيمان، وما يخالف جوهر التوحيد، ثم يذكر كيف ألجمه إبراهيم عليه السلام إلجاما، وكيف بدد ادعاءه تبديدا، كما في قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:158]. القضية منتهية، ولن نناقشك فيما تدعيه لنفسك، إنك تحيي وتميت، ولكن إن كنتَ إلهاً قادراً، وربًّا مسيطراً، فاخرق قانون الكون، وغيِّر ناموسه، وأطلع لنا الشمس من المغرب، على غير ما يفعل الله بها!

 أما إذا عجزت عن ذلك، فهناك مدبر لهذا الكون غيرك، وإله لهذا الوجود سواك! فبهت الذي كفر ولم يستطع أن يقول شيئاً.

وهؤلاء بنو إسرائيل، أخذت بهم أوهامهم كل مأخذ، فمرة قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ كما قال النصارى من بعد: (لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً)، فرد عليهم القرآن الكريم: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:111-112].

وتارة يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فيرد عليهم الوحي: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة:18].

وما فتئ فرعون يدعي الألوهية والربوبية، ويخاطب قومه بهذه النظرة المتعالية، وتلك النبرة المتألهة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:24]. وفي قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:38].

وسجل القرآن الكريم أقوال عدو الله اللعين إبليس، ولم يحرمه من أن يسجل آراءه، بل وأفسح له المجال ليظهر تحديه لآدم وذريته، فقال مفضلاً جنسه على جنس آدم ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:12].

وقال متوعداً آدم وذريته ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83] وذكر وعيده وتهديده، عندما قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:17].

إن الإسلام لا يعبأ بالآراء الشاذة، ولا يقيم لها وزناً، ولا يهاب من مروجيها؛ لأنه وحده القادر أن يكشف زيغها، وأن يبرز زيفها، لذلك فإن مبدأ قصف الأقلام، أو تكميم الأفواه، أو اعتقال المعارضين، ليس من الإسلام في شيء، وما هو إلا أن يشرق نور الحق بآياته، وأن ينتشر ضياء العقل ببيناته، حتى يخبو الباطل وتنقشع ظلمته، ويندحر الزيف، وتبدو عورته، وتذبل فروعه، وتجتث أصوله، كما قال سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق﴾ [ الأنبياء:18] ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [ الرعد:17].

 

الإسلام يفسح المجال أمام الأفكار الجديدة، والآراء المبدعة

  1. الحباب بن المنذر: الرجل الأنصاري الذي أبدى رأيه الصريح للرسول الكريم، يوم بدر، وقدم رؤيته النقدية لموقع نزول الجيش المسلم، دفعه جو الحرية الذي يحياه في قلب الدولة الإسلامية إلى أن يعترض على رأي القائد الأعلى للمسلمين، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه جعل ذلك الرأي وهذه الحرية في سياق من التأدب، عندما قال له: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، هو منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي"[2].
  2. سلمان الفارسي: الذي ليس له سابقة أبي بكر، ولا قوة عمر، ولا قرابة علي، ولا مصاهرة عثمان، يتقدم في موقف من أكثر المواقف شدة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وقد صور القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:10-12] ليعلن عن رأيه في مواجهة هذا الجيش الكبير، وذلك الجمع الهائل، وتلك الإمكانات التي لا طاقة ليثرب بمواجهتها، فيشير على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وهو الأمر الذي لم تعهده العرب في حروبها، وإنما أخذه سلمان من بيئته القديمة في بلاد فارس.

 

 

حرية الرأي جزء من مبادئ الإسلام

جاء الإسلام فأقر الحرية في زمن كان الناس فيه مستعبدين: فكرياً، وسياسياً، واجتماعياً، ودينياً، واقتصادياً، جاء فأقر حرية الاعتقاد، وحرية الفكر، وحرية القول، والنقد، وهي أهم الحريات التي يبحث عنها البشر. ولم يكن مبدأ الحرية الذي دعا إليه الإسلام- عندئذ - قد جاء نتيجة تطور في المجتمع، أو ثورة طالبت به، أو نضوج وصل إليه الناس، وإنما كان مبدأ أعلى من المجتمع في ذلك الحين.. جاء مبدأ من السماء، ليرتفع به أهل الأرض، جاء الإسلام ليرقى بالبشرية، بتقرير هذا المبدأ.. مبدأ الحرية.

 

  1. حرية اعتناق الدين

جاء الإسلام وهو دين، فأقر الحرية الدينية: حرية الاعتقاد، فأصبح كل فرد حرّاً فيما يعتقد، لا سلطان لأحد عليه إلا ضميره، وفهمه وتأمله، لا يُجبر على أن يعلن غير رأيه، ولا أن يُصادر فكره، ولو كان ثمرة هذا الرأي وعصارة ذلك الفكر، أن يخالف الإسلام شكلاً وموضوعاً، وإذا كانت هذه الحرية تقوده إلى اعتناق عقيدة باطلة، وشريعة محرفة.

لم يُبِح الإسلام أبداً أن يُكره الناس على اعتناقه، أو اعتناق سواه من الأديان، وأعلن في ذلك قول الله عز وجل في الآيات المكية: ﴿وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:99-100] وفي العهد المدني جاء في سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:256].

 

  1. حرية التفكير والنظر

 جاء الإسلام يدعو الناس إلى النظر في هذا الكون، وإلى التفكر فيما يدور حولهم، وإلى الاستفادة من العقول والألباب التي وهبهم الله إياها، فدعاهم إلى التأمل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:46] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس:101] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [ الحج:46].

هذه الدعوة التي تشحذ الذهن، وتنشط العقل، وتستثير فيه معاني التأمل، وتدرب ذلك الإنسان على أن يكون له رؤيته، وأن يستقل بفهمه، في ضوء هذه المقدمات الكبرى.

ومن هنا ظهر في الإسلام نتيجة للحرية الفكرية: الحرية العلمية، لقد وجدنا علماءنا يختلفون، ويُخَطِّئ بعضهم بعضاً، ويرد بعضهم على بعض، ولا يجد أحدهم في ذلك حرجاً. وأقصى ما يقوله لصاحبه: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب، فاحتمال المخالفة في كل من الرأيين، يجعل هناك حدوداً للتقارب دائماً.

وحينما احتد النقاش بين عالم وصاحبه، وقال أحدهما للآخر: أنت مراء، وأنت منافق. كان رد صاحبه عليه: إن كنتَ كاذباً، فغفر الله لك، وإن كنتَ صادقاً، فغفر الله لي.

 نجد أثر المعتزلي والسني في الكتاب الواحد، فكتاب الكشاف لإمام معتزلي- وهو الزمخشري- نجد أهل السنة ينتفعون به، ولا يرون حرجاً في ذلك.. فيأتي أحد علماء أهل السنة كابن المنيّر، يعمل حاشية عليه باسم "الانتصاف من الكشاف"، ويأتي إمام من أئمة السنة، كالحافظ ابن حجر، فيؤلف كتابه الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف. وهكذا فكان العلماء ينتفع بعضهم بكتب بعض، وبآراء بعض.

 ورأينا اختلاف الفقهاء وسعة صدورهم في الخلاف بين بعضهم وبعض، هذا كله يدل على حرية الفكر وعلى الحرية العلمية، أو حرية التعبير في داخل الأمة الإسلامية.

 

  1. حرية مواجهة الفساد والخطأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)

أقر الإسلام حرية النقد والتوجيه أيضاً، بل جعل ما هو أكثر من الحرية؛ إذا تعلقت به مصلحة الأمة، ومصلحة الأخلاق والآداب العامة- فجعلها أمراً واجباً.. أن تقول الحق، لا تخاف في الله لومة لائم .. أن تأمر بالمعروف.. أن تنهى عن المنكر.. أن تدعو إلى الخير.. أن تقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت.

هذا ينتقل من حرية إلى واجب، إذا لم يوجد غيرك يقوم به، أو إذا كان سكوتك يترتب عليه ضرر في الأمة، أو فساد عام، حين ذاك يجب أن تقول الحق، لا تخشى ما يصيبك ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:17].

وذلك أن من حق الناس في الإسلام. بل من واجبهم. أن ينصح بعضهم لبعض، وأن يدعوه إلى الخير، وينهاه عن الشر، وأن ينصحوا للحاكم، ويقوموه إذا اعوج، ويأمروه بالمعروف إن ضل طريقه، وينهوه عن المنكر إذا واقعه، فهو واحد من المسلمين، ليس أكبر من أن يُنصح ويؤمر، وليسوا هم أصغر من يَنصحوا أو يأمروا.

وإذا ضيعت الأمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقدت سر تميزها، وسبب خيريتها، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110] وأصابتها اللعنة كما أصابت من قبلها من الأمم، ممن ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:79].

ونصوص الإسلام من القرآن والسنة تجرئ المسلمين أن يعبروا عن رأيهم في ردع الحاكم إذا تعدى وظلم، وكذلك كل قوي يخافه الناس ويخشون بأسه، فيحسن بهم أن يواجهوه بالقول الصريح، الذي يجعله يفيق مما هو فيه من سبات، ويعرف خطأ نفسه، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79].

وحمل جنود فرعون ما حمله فرعون وملؤه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:8] وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص:40-41] وفي الحديث: «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم»[3].

وعندما ولي أبو بكر الخلافة، قال في أول خطبة له: "أيها الناس! إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"[4]. وقال عمر: أيها الناس! من رأي منكم فيّ اعوجاجاً فليقومني، فقال له رجل: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا! فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوّم اعوجاج عمر بحد سيفه! وترد عليه امرأة رأيه، وهو فوق المنبر، فلا يجد غضاضة في ذلك، بل يقول: أصابت المرأة وأخطأ عمر! ويقول علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه لرجل عارضه في أمر: أصبتَ وأخطأتُ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. [يوسف:76].

هذا ما وصل إليه الإسلام.. ليس في الإسلام أن تُكتم أنفاس الناس، ولا أن يُلجموا بلجام فلا يتكلموا إلا بإذن، ولا يؤمنوا إلا بتصريح، كما قال فرعون لسحرته: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:71] و[الشعراء:49]. يريد ألا يؤمن الناس إلا إذا أذن لهم، وألا يتكلم الناس إلا بتصريح من السلطات العليا .. لا.. الإسلام لا يعرف هذا المنطق، ولا يقر تلك الطريقة.

 

ذم القرآن للاستكانة، وعدم مواجهة الفساد

لم يقصر القرآن حملته على الطغاة المتأهلين وحدهم، بل أشرك معهم أقوامهم وشعوبهم، الذين اتبعوا أمرهم، وساروا في ركابهم، وأسلموا لهم أزمتهم، وحملهم المسئولية معهم. يقول جل شأنه عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح:21].

وقال عن هود وقومه عاد: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود:59].

وقال صالح محذرا قومه من ثمود: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء:150-152].

وقال عن قوم فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:54].  ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 97-98]. وإنما حمل الشعوب المسؤولية أو جزءًا منها، لأنها هي التي تصنع الفراعنة والطغاة. يقول المصريون: قيل لفرعون: ما فرعنك؟ قال: لم أجد أحداً يردني!

 

الحاجة الملحة للمعارضة

وربما يتصور بعض المخلصين أن الدولة التي تحكم بشرع الله، وترجع في كل أمورها إلى حكمه، لا تحتاج إلى كل هذا، فهي دولة ملتزمة وقافة عند حدود الله تعالى. فعلى العاملين أن يجاهدوا حتى تقوم هذه الدولة المنشودة: فإذا قامت كانت كما وصفها الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:41].

وهذا وهم، فكل دولة تفتقر إلى من يرقبونها، وينصحون لها، ويهتمون بأمرها، ويعاونونها على إقامة الخير، والبعد عن الشر.

إن الدولة الإسلامية ليست هي الدولة الدينية التي عرفت في مجتمعات آخر، أعني: إنها دولة مدنية تحتكم إلى الشريعة، رئيسها ليس إماماً معصوماً، وأعضاؤها ليسوا كهنة مقدَّسين بل هم بشر يصيبون ويخطئون، ويحسنون ويسيئون، ويطيعون ويعصون، وعلى الناس أن يعينوهم إذا أحسنوا، ويقوموهم إذا أساؤوا، ويرفضوا أمرهم إذا أمروا بمعصية، كما قال أبو بكر رضي الله عنه، في خطابه الأول، بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه ابن عمر: «السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»[5].

وقد قال الله تعالى في بيعة النساء للرسول: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:12]
وإذا انتفت العصمة والقداسة فكل الناس بشر، لا يؤمن أن تغرهم الحياة الدنيا ويغرهم بالله الغرور، أو تفتنهم أنفسهم، فيستبدوا ويظلموا، وأشد أنواع الاستبداد خطراً ما كان باسم الدين، فإذا لم توضع الضوابط، وتهيأ السبل لمنعه من الوقوع، وإزالته إذا وقع، حاق الضرر بالأمة، وأصاب شرره الدين أيضاً. ولهذا كان إيجاد قوى منظمة تعمل في وضح النهار، وتقدر على أن تعين المحسن وتقوم المسيء، أمراً يرحب به الشرع ويؤيده، لما وراءه من جلب المصالح ودرء المفاسد.

وعندما نجيز مبدأ التعدد الحزبي داخل الدولة الإسلامية، فليس معناه أن تتعدد الأحزاب، والتجمعات على أساس عنصري، أو إقليمي، أو طبقي، أو غير ذلك من إفرازات العصبية، التي يبرأ منها الإسلام. إنما التعدد المشروع هو تعدد الأفكار والمناهج والسياسات، التي يطرحها كل فريق، مؤيدة بالحجج والأسانيد، فيناصرها مَن يؤمن بها، ولا يرى الإصلاح إلا من خلالها. وتعدد الأحزاب في مجال السياسة أشبه شيء بتعدد المذاهب في مجال الفقه.        

فهل إذا انتصرت فئة من هذه الفئات، وأصبحت مقاليد السلطة بيدها، فهل تلغي الفئات الأخرى من الوجود، وتهيل على أفكارها التراب، لمجرد أنها ليست صاحبة السلطان؟ إن النظر الصحيح يقول: لا، فمن حق كل فكرة أن تعبر عن نفسها ما دام معها اعتبار وجيه يسندها، ولها أنصار يؤيدونها. حتى إن ابن مسعود ليقول: الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك!

 

  1. الحرية في تكوين الرأي الجمعي للأمة

تعارف الناس على صور مختلفة، وأنماط متعددة، للتعبير عن الرأي الجمعي للأمة، ومن هذه الصور: الانتخابات النيابية والرئاسية، وغيرها من المناصب التي يترشح لها أناس مختلفون، ليتم اختيار بعضهم على حساب البعض الآخر، ويكون الشعب، أو أغلبيته هو صاحب الاختيار، وتكون كلمته هي ما يفصل بين المتسابقين إلى هذا المنصب أو ذاك، وتسمى هذه العملية: الديمقراطية.

وجوهر هذه الديمقراطية: أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام لا يقبلونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية لا يعرفونها ولا يرضون عنها.. فإذا عارضها بعضهم كان جزاؤه التشريد والتنكيل، بل التعذيب والتقتيل.

هذا هو جوهر الديمقراطية الحقيقية التي وجدت البشرية لها صيغاً وأساليب عملية، مثل الانتخاب والاستفتاء العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحق الأقلية في المعارضة وحرية الصحافة، واستقلال القضاء .. إلخ.

والإسلام يتماشى مع هذا الجوهر، فلا يقبل الحكم المستبد، الذي لا يرى إلا رأيه، ولا النظام الجائر الذي لا يستمع إلا إلى صوته، ينكر الإسلام أن يؤم الناسَ في الصلاة من يكرهونه، ولا يرضون عنه، وفي الحديث: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً ..» وذكر أولهم: «رجل أم قوماً وهم له كارهون .. »[6].

وإذا كان هذا في الصلاة، فكيف في أمور الحياة والسياسة؟ وفي الحديث الصحيح: «خير أئمتكم - أي حكامكم - الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم - أي تدعون لهم - ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم»[7].

 

إبداء الرأي الصحيح (واجب):

إذا نظرنا إلى نظام كنظام الانتخاب أو التصويت، ومن شهد لغير صالح بأنه صالح، فقد ارتكب كبيرة (شهادة الزور) وقد قرنها القرآن بالشرك بالله، إذ قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:30]. ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه أو ابن بلده، أو لمنفعة شخصية يرتجيها منه، فقد خالف أمر الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:2].

ومن تخلف عن أداء واجبه الانتخابي، حتى رسب الكفؤ الأمين، وفاز بالأغلبية من لا يستحق، ممن لم يتوافر فيه وصف "القوي الأمين" فقد كتم الشهادة أحوج ما تكون الأمة إليها.. وقد قال تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البقرة:282]. ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة:283].

 

  1. حرية التعبير الحزبي

لا يوجد مانع شرعي من وجود أكثر من حزب سياسي داخل الدولة الاسلامية، إذ المنع الشرعي يحتاج إلى نص، ولا نص؛ بل إن هذا التعدد قد يكون ضرورة في هذا العصر، لأنه يمثل صِمَام أمان من استبداد فرد أو فئة معينة بالحكم، وتسلطها على سائر الناس، وتحكمها في رقاب الآخرين، وفقدان أي قوة تستطيع أن تقول لها: لا، أو: لمَ؟ كما دلّ على ذلك قراءة التاريخ، واستقراء الواقع.

 

دور العمل الحزبي في مقاومة الاستبداد

وقد علّمنا التاريخ، وتجارب الأمم، وواقع المسلمين: أن تقويم اعوجاج الحاكم ليس بالأمر السهل، ولا بالخطب اليسير، ولم يعد لدى الناس سيوف يقومون بها العوج، بل السيوف كلها يملكها الحاكم! والواجب هو تنظيم هذا الأمر لتقويم عوج الحكام بطريقة غير سل السيوف، وشهر السلاح. وقد استطاعت البشرية في عصرنا ـ بعد صراع مرير، وكفاح طويل. أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقويم عوج السلطان، دون إراقة للدماء، وتلك هي وجود قوى سياسية لا تقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة، وهي ما يطلق عليها اسم الأحزاب: مجموع حزب وهو فئة من الناس، تجتمع، ويتأسس على أفكار معينة، يختارونها، أو يقتبسونها، ويعلنون عن اتفاقهم عليها.

إن السلطة قد تتغلب بالقهر أو بالحيلة على فرد، أو مجموعة قليلة من الأفراد، ولكنها يصعب عليها أن تقهر جماعات كبيرة منظمة، لها امتدادها في الحياة، وتغلغلها في طبقات الشعب، ولها منابرها وصحفها وأدواتها في التعبير والتأثير.

فإذا أردنا أن يكون لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو فريضة حرية التعبير معناها وقوتها وأثرها في عصرنا، فلا يكفي أن تظل فريضة فردية محدودة الأثر، محدودة القدرة، ولا بد من تطوير صورتها، بحيث تقوم بها قوة تقدر على أن تأمر وتنهى، وتنذر وتحذر، وأن تقول عندما تؤمر بمعصية: لا سمع ولا طاعة. وأن تؤلب القوى السياسية على السلطة إذا طغت، فتسقطها بغير العنف والدم، وأن تقوم عند الانتخابات، فتدعو إلى انتخاب الرجل الصالح، أو الأصلح، وتشهد بأن هذا أولى وأحق من غيره بتمثيل الناس، لما يتميز به.

فإذا فاز حزب ما بأغلبية البرلمان، فمن حقه أن يكون الحكومة، ومن حقه أن يتنازل عن ذلك، ويؤلف حكومة وحدة وطنية، أو نحو ذلك.

 

ضوابط الحرية الحزبية

كل ما يشترط لتكتسب هذه الأحزاب شرعية وجودها أمران أساسيان:

  • أن تعترف بالإسلام عقيدة وشريعة ـ ولا تعاديه أو تتنكر له، وإن كان لها اجتهاد خاص في فهمه، في ضوء الأصول العلمية المقررة.
  • ألا تعمل لحساب جهة معادية للإسلام ولأمته، أياً كان اسمها وموقعها. فلا يجوز أن ينشأ حزب يدعو إلى الإلحاد أو الإباحية أو اللادينية، أو يطعن في الأديان السماوية عامة، أو في الاسلام خاصة، أو يستخف بمقدسات الاسلام: عقيدته أو شريعته وقرآنه، أو نبيه عليه الصلاة والسلام.
  1. المسيرات السلمية نوع من حرية الرأي

فمن حق المسلمين - كغيرهم من سائر البشر - أن يسيروا المسيرات وينشئوا المظاهرات، تعبيرا عن مطالبهم المشروعة، وتبليغاً بحاجاتهم إلى أولي الأمر، وصنّاع القرار، بصوت مسموع لا يمكن تجاهله. فإن صوت الفرد قد لا يسمع، ولكن صوت المجموع أقوى من أن يتجاهل، وكلما تكاثر المتظاهرون، وكان معهم شخصيات لها وزنها: كان صوتهم أكثر إسماعاً وأشد تأثيراً. لأن إرادة الجماعة أقوى من إرادة الفرد، والمرء ضعيف بمفرده قوي بجماعته. ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً» وشبّك بين أصابعه[8].

وقديماً قالت لي بعض الطالبات الملتزمات في الجزائر: إن مسيرة علمانية مكونة من خمسمائة امرأة من النساء العلمانيات سارت في شوارع العاصمة، تطالب بمجموعة من المطالب تتعلق بالأسرة أو ما يسمى قانون الأحوال الشخصية مثل: منع الطلاق، أو تعدد الزوجات، أو طلب التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث، أو إباحة تزوج المسلمة من غير المسلم، ونحو ذلك.

فقلت للطالبات اللائي سألنني عن ذلك: الرد على هذه المسيرة العلمانية: أن تقود المسلمات الملتزمات مسيرة مضادة، من خمسمائة ألف امرأة! أي ضعف المسيرة الأولى ألف مرة! تنادي باحترام قواطع الشريعة الإسلامية.

وفعلاً بعد أشهر قليلة أقيمت مسيرة مليونية عامتها من النساء تؤيد الشريعة، وإن شارك فيها عدد محدود من الرجال، يقودهم عالم الجزائر المعروف: الشيخ أحمد سحنون رحمه الله. فهذه المسيرة - بحسب مقصدها - لا شك في شرعيتها، بخلاف المسيرة الأخرى المعارضة لأحكام الشريعة القطعية، لا يستطيع فقيه أن يفتي بجوازها.

 

في السنة دليل على شرعية المسيرات

واقعة دالة، حدثت في عهد النبوة، وذلك عندما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولنستمع إلى عمر نفسه، وهو يقص علينا نبأ هذه المسيرة، يقول بعد أن دخل دار الأرقم بن أبي الأرقم معلناً الشهادتين: فقلتُ: يا رسول الله، ألسنا على الحقِّ إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحقِّ، إن متم وإن حييتم". قال: فقلتُ: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن. فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد. قال: فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها. فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق[9]. ومن تتبَّع السيرة النبوية، والسنة المحمدية، لا يعدم أن يجد فيها أمثلة أخرى.

حدود الحرية

ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلام، والذي أعلى من قيمة الحرية، ورفع من شأنها: مشروط ومقيد أيضاً، فإن الحرية التي حماها الإسلام، لتكون حماية للحق، وشعاراً للعدل، وملاذاً يلجأ إليه الضعفاء من الناس؛ ليلتمسوا القوة، وليقفوا في أوجه الطغاة الجبارين، الذين يجهزون على المستضعفين من البشر؛ لأنهم لا يجدون من يشد أزرهم، أو يسند ظهرهم.

فهذا هو الإسلام، جاء بالحرية ولكنها حرية الحقوق، وليست حرية الإفساد والفسوق.. ليست الحرية التي يزعمها بعضهم اليوم، رأينا بعضهم في الدانمارك، ينشر صوراً مسيئة كل السوء لشخصية رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وهي صور زائفة وكاذبة، ولكن صاحبها يقول: أنا فنان بارز، وهذه الصور تعبر عني!

فهذا ما لا نقبله من مسيحي، ولا من وثني، ولا من ملحد. فكن فناناً كما شئت، وكما يحلو لك، ولكن لا تتطاول عليَّ ولا على غيري. لا يجوز لك أن تأخذ صورة لأمي وتبرزها وترسمها عارية، كما خلقها الله، وهي لم تسمح لك بذلك، ولا زوجها سمح لك، ولا أنا ولا إخوتي سمحنا لك بذلك!

فهذه ليست حرية، إنها حرية السب والدعارة فقط! أن تزني، وأن تشرب الخمر، وأن ترتكب الموبقات كما تشاء.. أن تتطاول على الله ورسوله، وأن توجه سهامك لعقيدة الإسلام وشريعته، وأن تنال من رموزه وأعلامه!

أما ما يتعلق بالمصالح التي يحتاج إليها المجتمع، وتتشوف إليها الأمة "فلا حرية".. لا تنقد.. لا تقل ما تعتقد.. لا تقل للمحسن أحسنت، لا تقل لمن اعوج طريقه: أنت اعوججت.. إنما لك الحرية الشخصية.. حرية إفساد نفسك.. إفساد أخلاقك.. إفساد ضميرك.. إفساد عبادتك.. إفساد أسرتك.. إفساد مجتمعك.. لك الحرية في ذلك!

إذا كان هذا هو معنى الحرية، فالإسلام لا يقر هذه الحرية، لأنها حرية الفسوق لا حرية الحقوق، إنما الإسلام يقر حرية التفكير.. حرية العلم.. حرية العمل.. حرية التجمع والتحزب.. حرية الرأي والقول والنقد.. حرية الاعتقاد والتدين. هذه الحريات التي تقوم عليها الحياة.. حرية التعاقد .. حرية التصرف بما لا يؤذي أحداً، حرية التملك بالشروط والقيود المشروعة، بدون ضرر ولا ضرار.. فهذه هي القاعدة العامة في الإسلام: "لا ضرر ولا ضرار".

فأي حرية ترتب عليها ضرر لنفسك، أو ضرار لغيرك، يجب أن تمنع، ويجب أن تقيد في هذه الحالة، فإن حريتك تنتهي حيث تبدأ حرية غيرك، أما أن تدعي الحرية ثم تدوس الناس، هذا لا يقول به أحد. لك حرية المرور في الطريق، ولكن على أن تلتزم آداب المرور وأحكامه.. لا تصدم الناس، ولا تصدم السيارات، ولا تدُسْ المشاة، ولا تخترق قوانين المرور، وهذا التقييد لحريتك: أن تقف والضوء أحمر، أو أن تمشي على الجانب الأيمن، وألا تتجاوز في السرعة عن كذا، أو غير ذلك، هذا التقييد من المصلحة العامة، وكل دين وكل نظام لا بد أن يوجد فيه مثل هذه القيود، وهذا ما جاء به الإسلام، وهذا أفضل ما يمكن أن تصل إليه البشرية.

 

ضوابط الحرية

حرية الإبداع هل تعني حرية مطلقة؟ هل في الوجود شيء حر حرية مطلقة؟ لا، إن السيارات في الطريق محكومة بقوانين المرور، من تعداها عُوقب بقدر تعديه، وهذه القوانين لم توضع عبثاً، إنما هي لحمايته وحماية غيره من الخطر والهلاك. والبواخر في المحيطات الهائلة لا تسير كما تشاء، كما قد يتصور بعض الناس؛ بل تسير في خطوط ملاحية مرسومة، لو خرجت عنها ربما اصطدمت بما يحطمها ويدمر كيانها. والطائرات في السماء لا تتجول فيها كما تشاء؛ بل هي منضبطة محكومة بخطوط جوية ينبغي أن تسير فيها، لا يجوز لها أن تتخطاها أو تتجاهلها، وإلا تعرضت للخطر والدمار، لو أن طائرة خرجت عن خطها ربما اصطدمت بطائرة أخرى، أو تعرضت لمنخفضات جوية أو مطبات هوائية أو غير ذلك. بل إن الكواكب والنجوم في أفلاكها محكومة بمداراتها، كما قال سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:40].

كل شيء في الوجود له أصول تحكمه، وتضبط مسيرته، كما أن الإنسان له أصوله التي تحكمه، وتنظم حياته، وخط سيره، وتضع لحريته علامات وخطوطاً، بعضها حمر، ينبغي أن يتجنبها. فالحمار أكثر حرية من الإنسان؛ لأن الحمار لا يقيده شيء إلا غريزته. أما الإنسان، فيقيده عقله وضميره، ودينه ومجتمعه.

وإذا كان الحيوان حرّاً، يفعل ما يشاء.. يستطيع الحمار أن يبول في الطريق، وأمام الناس، ولكن الإنسان العاقل لا يستطيع أن يماثله، الإنسان تحكمه أعراف وأخلاق وقيم وعقائد، ليس الإنسان حراً في أن يفعل ما يشاء.

هل من حق الإنسان أن يقف عارياً في ميدان من الميادين، ويقول: أنا حر؟ لو فعل ذلك لرجمه الناس بالحجارة حتى الأطفال الصغار والنساء، فإذا كان الإنسان لا يحق له أن يعري جسده أمام الجمهور، فليس من حقه أن يعري فكره وأدبه، أو يعري شعره ونثره أمام الناس.

ليس من حق الإنسان المبدع أن يتجرأ على الله، وعلى رسله، وعلى كتبه، وعلى اليوم الآخر، وعلى القيم والدين والأخلاق. لا يعقل أن يكون التطاول على الله ورسوله وكتابه، وعلى عقائد المسلمين وشرائعهم، ومقدساتهم وشعائرهم: حرية رأي، أو حرية تعبير، بينما يكون الزعماء وأصحاب السلطان في حمى منيع، من هذه الحرية المزعومة، وصدق الشاعر وليد الأعظمي عندما قال في إحدى قصائده:

يساق للسجن من سب الزعيم ومن

ســـــــب الإله فإن الناس أحــــــــــرار!

ليست حرية الإبداع أن يسف الإنسان، ويذكر أحط الألفاظ، وأقذع العبارات، أو ينقلها بحذافيرها، وينشرها على الناس.

المبدع الحق هو الذي تكون لديه مصفاة، يصفي هذه الألفاظ، وينقل مضمونها إلى قارئه بما لا يجرح مشاعره، أو مشاعر قومه أو أهل دينه، ولا يخدش الحياء العام.

فهناك مجموعة من المبادئ والقيم تعارف الناس عليها: أن تظل مصونة محصنة، وهي تمثل الثوابت للأمة، فلا يجوز اختراقها أو التعدي عليها، أو العبث بها، وإلا تعرضت الأمة للخطر؛ لأنها أصيبت في جذورها وفي هويتها وجوهر وجودها.

 

الحريات التي يرفضها الإسلام

  1. الحرية التي تحرف الإسلام

هناك من يريدون تحت ستار الحرية أن يعملوا على تحريف الدين عن حقيقته، والإتيان بدين آخر غير الدين الذي عرفه المسلمون خلال أربعة عشر قرناً، وقرأوه في القرآن، وعرفوه في السنة، وذاكروه في دواوين الأمة. الله تعالى يقول: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:3] وللأسف الشديد، نجد في عصرنا بعض الناس يريدون أن يقولوا: إن الدين لم يكتمل، وأن الشريعة لم تتم، ويريدون أن يتمموا هم الدين، ويكملوا هم الشريعة، باجتهادات فجة من عند أنفسهم؛ يريدون أن يحلوا الحرام، وأن يحرموا الحلال، وأن يسقطوا الفرائض، وأن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله.

يريدون أن يعيدوا تفسير أو قراءة القرآن، يقرأون القرآن قراءة يسمونها "قراءة معاصرة" لا تبالي بما بين الرسول من أحاديث، ولا بما جاء عن الصحابة من تفاسير، ولا بما جاء عن التابعين، ولا عن مفسري الأمة طوال العصور. يريدون أن يكون لهم فهم جديد، أي دين جديد، يعلنونه للناس، وهذه مشكلة كبرى؛ لأن الكامل لا يقبل الزيادة ولا النقص.

إن حرية هؤلاء هي الخطر بعينه؛ لأنها حرية سائبة خطرة، لا تقف عند حدود، ولا تنضبط بضوابط، ولا تحدها قيود، إنهم يصطدمون بفكر مجموع الأمة، ولا سيما في خير قرونها، ولا يعترفون بفقه الفقهاء، من مختلف المذاهب، ويأخذون من الحديث والتفسير والتصوف، ما يخدم فكرتهم، وما تعارض معها طرحوه، وهكذا.

 

  1. حرية الانسلاخ من أحكام الشريعة

ومن الحريات التي ينكرها الإسلام: الانسلاخ من أحكام الشريعة، باسم الحرية الدينية، ذلك أن الإيمان بدين ما يستلزم الإيمان بحكم شريعته، فهذا مقتضى الإيمان، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [ النور:51] وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:36]. ومن هنا لا ينبغي أن يُطلب من الفرد المسلم أو المجتمع المسلم التحلل من هذه الأحكام الثابتة واللازمة بدعوى الحرية.

 

  1. الحرية التي تهدد نظام المجتمع (الردة)

ومن الحريات التي ينكرها الإسلام: ما كان يهدد المجتمع في نظامه، وفي أساس بنائه، وهي حرية الردة المتعدية، التي يدعو صاحبها إليها، وتكون جماعة لها خط غير خط المجتمع، وهدف غير هدف الأمة، وولاؤها لغير أمتها، فهؤلاء يهددون نظام المجتمع. وإذا كان الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه؛ فإنه لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة، يدخل فيه جماعة اليوم، ويخرجون منه غداً، على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:72].

 

مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق - ندوة "السياسة والأخلاق" شهادات المشاركين

 

الهوامش

 


* الشيخ الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي داعية ومفكر إسلامي ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سابقا. قدم هذه الورقة في ندوة الأخلاق الإسلامية والسياسة التي عقدها المركز بالدوحة في الفترة من 8 إلى 10 يونيو 2013.

 

[1] رواه البخاري في صحيحه.

[2] انظر مشورة حباب بن المنذر في سيرة ابن هشام.

[3] رواه أحمد والحاكم والبزاز.

[4] انظر البداية والنهاية لابن كثير، ج 6، ص: 301.

[5] رواه مسلم في صحيحه.

[6] أورده ابن ماجه في سننه.

[7] رواه مسلم في صحيحه.

[8] رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

[9]  رواه أحمد في مسنده.

أضف تعليقاتك

Your email address will not be published*

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

شارك

شاهد البث الحي

لا يوجد بث مباشر في هذا الوقت.

استبيانات

محاضرة: هل لنا أن نعدل جينات أطفالنا؟

الخيارات

منتديات

هل تؤمن بشيء اسمه أخلاق الحرب ؟

اشترك في نشرتنا الإخبارية

إدارة اشتراكاتك في الرسائل الإخبارية
اختر نشرة أو أكثر ترغب في الاشتراك فيها، أو في إلغاء اشتراكك فيها.
حتى تصلكم رسائل بآخر فعالياتنا وبمستجدات المركز
عنوان البريد الإلكتروني للمشترك
Preferred language
The e-mails will be localized in language chosen. Real users have their preference in account settings.
2011-2019 جميع الحقوق محفوظة مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق